مدائح أهل بيت العصمة النبوية بيان نهج الحياة الحقّة

دور مدائح أهل البيت فـي حفظ الإسلام الحق

 

    لقد شملتمونا أيها الأخوة الأعزاء بألطافكم، ونوّرتم ـ يا بلابل الرياض المحمدية ـ قلوبنا وعطّرتم محل عملنا بعبقات المدائح النبوية وهذه الكلمات اللطيفة البليغة. أسأل الله أن يحطيكم ويحيطنا في هذا المحفل وسائر محافلنا وأعمالنا وحركاتنا وسكناتنا ببركات السيدة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها). 

إن شجرتكم طيبة وسلسلتكم طويلة، وعلى الدوام نهضتم منذ عصر الأئمة (عليهم السلام) بمسؤولية أصعب الأعمال التبليغية في مواجهة أعداء الحق والحقيقة. 
وتمتد شجرتكم وسلسلتكم النسبية المعنوية إلى دعبل والكميت والسيد الحميري وأمثالهم من الذين حملوا ـ في أصعب حقب التاريخ الإسلامي ـ رايةً كانت تجلب على كل مَن يحملها أشد أنواع الأذى؛ والسبب هو أن هذه الأشعار تحمل رسالة سامية، ولم يكن ليتعرض لهم أحد لولا وجود هذه الرسالة في أشعارهم. "دعبل" كان يُعلن أنه حمل خشبته خمسين عاماً ينتظر مَن يصلبه عليها. وكان ممنوعاً قراءة أشعار السيد الحميري حتى في المجالس التي لا تضم أكثر من ثلاثة أو أربعة أشخاص لأنها تحمل تلك الرسالة. وقد استشهد الكميت بعد سنين طويلة على أيدي حكام بني أمية الظالمين، وجرمه هو حب أهل بيت النبي الأكرم (ص). 
    لقد ختم دعبل بصمة عار على جبهة كل خليفة (غاصب) وصل للحكم في عصره، وكتب لكل منهم شعراً خالداً على كتيبة التاريخ لا يمحى، بيّن فيه قبائح باطلهم ببلاغة تفوق تأثير عشرات الخطب. 

    عليكم أن تحفظوا تلك الرسالة التي جعلت لمدّاحي أهل البيت هذه المنزلة السامية، وهذه الرسالة عبارة عن: حفظ الدين الإلهي الحق في ظل موالاة أهل البيت ومجاهدة أعدائهم ـ أعداء الحق ـ ومجاهدة كافة الطواغيت والعتاة المتمردين على الحق. 
    أيها الأخوة، إن لهذه الثورة أعداء شرسين تقف في مواجهتهم، مستندة إلى إيمان الشعب، وهذا الإيمان يجب أن يتعمق ويصفو ويزداد نقاءً... وأي لغة أقدر على ذلك من لغة مدّاحي أهل البيت (عليهم السلام) عليكم أنت م أن تنشدوا للناس أشعاراً قوية في الموازين الشعرية. 
    وفي نفس الوقت تحمل رسالة الثورة ـ وهي رسالة كافة الأنبياء والأولياء والأوصياء ـ الدفاع عن الحق ومجاهدة الباطل، وقد شمل الباطل عالم اليوم. 
لدينا ـ ولله الحمد ـ شعراء كثيرون اليوم، وشعراء مجيدون؛ والأشعار التي قرأها الأخ العزيز قوية جداً ولطيفة حقاً، وإن كنت لا أرغب في مدحها لاحتوائها على إشارات بشأني.  

 

قرّاء المدائح والمسؤوليات الراهنة: 

    إن الشيء الذي يجب أن يحظى بالاهتمام الأول هو رسالة الثورة، في ذكر المصائب وفي المدح وفي الشؤون الأخلاقية... وما أجمل أن تقوموا بـإيصالها للناس بواسطة شعركم الذي يتحلّى باللغة الشعبية المحببة والألحان التي تعدّونها. 
    عرّفوا الناس بحقيقة أميركا وفي كل مجلس وحيثما تحدثتم، عرّفوهم بهوية يزيد هذا العصر وشمر هذا العصر وبني أمية والمستعمرين في هذا العصر. 
القضية الأخرى قضية اللغة، أنت م تعلمون أن نتاجاتنا الأدبية اليوم مرتبطة بدرجة كبيرة بهذه الأمور التي تُقرأ وتقال؛ فاختاروا الأشعار الجيدة وذات المواصفات الشعرية المطلوبة؛ لدينا شعراء جيدون وتستطيعون نشر نتاجاتنا الأدبية الجيدة الصالحة والحاملة لهذه الرسالة بين عموم جماهير الشعب. 
أسأل الله لكم التوفيق واستجابة الأدعية التي دعوتموه بها اليوم بلغة الشعر والنثر(1).  

 

المدائح النبوية وتحديد نهج أهل البيت العملي: 

    جميلة جداً دنيا ذكر أهل البيت ومدحهم والغرق في عشقهم وإغراق الآخرين في محبة عترة النبي (ص) وإيقاد شعلة هذا الحب في القلوب وترغيبها في مضاعفة عشقها وتعلّقها بهذه الشجرة الطيبة... 

    عظيم جداً هذا العالم، ومهنة مباركة مهنتكم، فهي في خدمة أفضل وأسمى أنماط المحبة والعشق، والحب نفسه هو أسمى الخصال الإنسانية وأسمى أنماطه هو حب عباد الله الصالحين وأوليائه وعترة النبي وأوليائه وعترة النبي الأكرم (ص) وهذا ما يمكن الإحساس به في عالمكم، والمهم هو أن تبيّنوه للناس. 
في الأعوام الماضية، تحدثت للإخوان عن قضيتين أو ثلاث فيما يرتبط بذكر ومدائح أهل بيت العصمة (عليهم السلام) فلا أكرر الحديث لكني أريد التأكيد على قضية لعلّي أشرت لها سابقاً ولكن لا ضير من تكرارها وهي: إن ثورتنا قامت على أساس معرفة الشعب ووعيه، لقد قلت في كلمة سابقة إن معظم الثورات العالمية الأخرى قامت بدافع الجوع، فتفجّر الثورة الروسية الأولى ـ إذ أن عام 1917 شهد حركتين شعبيتين عظيمتين فصلت بينهما عدة أشهر، والحركة الثانية هي البلشفية التي وقعت في أكتوبر ـ تفجرت بسبب جوع الشعب حيث أن الشعب فقد الخبز ومسّه الجوع فنزل إلى الشوارع في العاصمة الروسية ـ وكانت آنذاك بطرسغراد ـ ثم احتل المعسكرات والدوائر الحكومية وقصر الملك المخلوع؛ فكان هذا الجوع سبباً لتلك الحركة الشعبية الضخمة، وهذا ما تصرّح به الوقائع التاريخية وليس تحليلي للأحداث. 

    أما في بلدنا فلم يكن الحال كذلك، بل إن الثورة هنا قامت على أسس معرفة الناس ووعيهم لحقائق الأحداث. في سنة 1349 هـ.ش (1391 هـ.ق/ 1970م) كانت المجاميع اليسارية قد بدأت للتو بالنشاطات النضالية والعملية، وكان وضعنا يسمح لهؤلاء العاملين في الجناح العسكري منهم بالمجيء إلينا، لذا كان لبعضهم ارتباط بنا، فأتاني أحدهم يوماً فقلت له: إن الشعب لا يؤيدكم ولا بد من العمل الثقافي كمقدمة للعمل السياسي والعسكري، فأجابني ببسمة ساخرة قائلاً: هذا حسب منهجكم الفكري الإسلامي، أما منهجنا فليس كذلك، نحن يجب أن نبدأ بالحرب المسلحة ونفرضها عليهم!! 

    وقد رأينا ما فعلوا، فقد استمروا في تلك الأعمال لثلاثة أو أربعة أعوام فسبّبوا ازدياد القمع في البلد، وكان جهادنا سيتقدم بصورة أسرع لولا فعالهم تلك التي سبّبوا بها مضايقات لجهادنا. 
    إن الجهاد الإسلامي قائم على أساس المعرفة، واليوم أيضاً كلما ترسّخت هذه المعرفة لدى الشعب كلما ترسّخت الثورة، ونقصد بالمعرفة: العلم بكل ما يجب العلم به من أصول العقائد (التوحيد، المعاد، النبوة والإمامة)، والمسائل الدينية المختلفة كالقضاء والقدر والأخلاق، الصفات المذمومة والصفات الممدوحة، وآداب المعاشرة والمفاهيم الرائجة في عرف القرآن والحديث الشريف كالصبر والجهاد والتقية وحقيقة الدنيا والآخرة وغير ذلك، وكذلك المعرفة بالقضايا السياسية كمعرفة التيارات السياسية الرئيسية في الدنيا، وتشخيص الأصدقاء والأعداء، وأساليب العمل السياسي، ومعرفة الأساليب العدائية، وأشكال الضربات التي يوجهها العدو، ومكامنها، وما الذي يجب علينا فعله لمواجهتها. 
إن واجبنا اليوم هو تزويد الناس بهذه المعارف، وتمليكهم القدرة التحليلية اللازمة؛ ويجب ترسيخ تلك المعارف في شعبنا، من معرفة التوحيد إلى معرفة شعار "الموت لأميركا"، ولها وحدة ومتصلة، فشعار "الموت لأميركا" عمل سياسي قائم على أسس الدين والتوحيد والعقائد، وكل هذه المعارف ـ بـإطارها الواسع الممتد من أصول العقائد، إلى آداب المعاشرة، والأخلاق، والفرائض الدينية، والأحكام، والاهتمام بالصلاة والحج، وإلى العمل السياسي والتوعية السياسية ـ يجب أن تتعمق في الشعب، فعندها تستقر الثورة وتثبت جذورها بحيث أن كل قبضة توجد لها ضربة تكون نتيجتها تهشّم القبضة نفسها. 

    فمَن الذي يجب أن يقوم بهذه المهمة؟! إنها مسؤولية عشرات الوسائل وإحدى أهمها أنت م. فتأكيدي هو أن على مدّاحي أهل البيت القيام بدور التوعية في المجتمع؛ قد تقولون: لنفترض أننا نستطيع أداء دور ما في الشؤون السياسية من المجالات التي ذكرتها، ولكن ما الذي نستطيعه في المجالات الثقافية المعمّقة؟! 
إن المادة الشعرية الموجودة كثيرة ـ ولله الحمد ـ والذين يغورون في دواوين الشعراء يجدونهم قد نظموا في كافة المجالات، لا سيما أشعار شعراء السبك الهندي فإنهم قد نظموا في كل المجالات التي تريدونها وهذا سر علاقتي بهذا النمط كما أشار إلى ذلك الأخ "إنساني"، والنماذج التي تلاها الأخوة تدل على ذلك، فأخونا العزيز الذي أنشد في البداية قرأ أشعاراً جيدة للغاية ـ لا أعرف شاعرها ـ وكانت في الأخلاق، فأكثروا من هذه الأشعار في المجالات المختلفة: السياسية، المعارف، آداب المعاشرة وغيرها.. أكثروا منها في مجالسكم، وعندها سترَون أنها ستصبح مجالس استثنائية، وبأصوات مثل هذا الصوت الدافئ لأخينا العزيز ذاك، وكذلك الأخ العزيز الآخر الذي جاء من قم، والحمد لله فأحدهم أفضل من الآخر، وهكذا ولو استطعت حفظها لأشرت إلى بعض خصوصيات كل منها وهي مؤثرة في رفع مستوى ثقافة المجتمع، وكذلك حال أشعار مدح أهل البيت. 

    توجد خصوصيتان أساسيتان في أشعار مدح أهل البيت (عليهم السلام) يجب على الأقل رعاية إحداهما، الأولى أنها تزيد حبنا لهم (عليهم السلام)، وكل شعر يحقق هذا التأثير هو من المدائح الجيدة، وهذا أمر أساسي فلا يُتوهم أنه فرعي، هذا الحب هو ضامن كل شيء؛ وتوجد أشعار تتحدث عن أخلاقهم ومناقبهم وعلومهم ونسبهم وفضائلهم، وهي أشعار جيدة تحقق الخصوصية الأولى. 
    والخصوصية الثانية هي أن حياتهم ومواقفهم ترسم لنا منهجاً عملياً للحياة الحقة المتجلّية في صراحة لهجتهم وقولهم الحق وشجاعتهم وإيثارهم وتضحياتهم وجهادهم وكرمهم وإنفاقهم وذوبانهم ومحوهم في مقابل ربهم ونظائر ذلك.. هاتان ميزتان رئيستان في مدائحهم، وتوجد بالطبع ميزات أخرى تأتي في مراتب لاحقة، وأشعار المدح الخالية من هاتين الميزتين لا تفيد مجتمعنا، ومن نماذجها القصيدتان اللتان تُليتا في هذا المجلس في مدح الأئمة المعصومين (عليهم السلام) والسيدة الزهراء (سلام الله عليها). 
يمكن دائماً العثور على أشعار مربية ومفيدة للغاية في باب حياة الأئمة (عليهم السلام)، وفي الأخلاق والمعارف وتلاوتها في المجالس، ويستطيع مدّاحو أهل البيت ـ وفي ظل أسلوبهم في إنشاد المدائح ـ القيام بأكبر دور في تعميق الثـقافة والمعارف الإسلامية في أذهان الشعب؛ وبالطبع فهم في حاجة إلى جمعيات يحضر فيها مع قراء المدائح الذين لديهم تجارب في هذا الفن، ليتم في محافل هذه الجمعيات نقد الأشعار وإصلاحها فمثلاً الأخوة الذين أنشدوا أشعار المدائح هنا أجادوا في الإنشاد كثيراً، ولكن قُرأت كلمة "به تو" (إليك) بصورة "برتو" (عليك) فأدى ذلك إلى تدمير معنى الشعر، وما أحسن أن تراعى هذه الأمور الدقيقة من الزاوية الأدبية بصورة كاملة لتستطيعوا بدوركم نقل اللغة الفارسية إلى جماهير الشعب، وهي اليوم تمثل لغة الثورة ولغة الدين، فيجب تقويتها من أجل نشر معارف الإسلام في أرجاء العالم. 

    وعليه، فمن خلال رعاية الموازين الأدبية في الأشعار يتحقق ضمناً تقوية اللغة أيضاً، وعلى البعض في هذه الجمعيات القيام بهمة نقد الأشعار وإصلاحها ـ مضموناً وألفاظاً ـ فيما يتولى البعض الآخر نقد وإصلاح فن الإنشاد وقراءة المدائح. ويوجد اليوم ـولله الحمد ـ الكثير من المدّاحين على العكس من الوضع في السابق حيث كانوا ـ قبل ثلاثين أو أربعين عاماً ـ قلة، فمثلاً كان لنا في "مشهد" اثنان منهم فقط لكنهما كانا جيدين حقاً ـ رحمهما الله كليهما ـ وقد ورد ذكرهما في محفلكم هذا، الأول هو المرحوم السيد "ستايشغر" وكان ذا وجه صبيح وحسن الصوت، والآخر المرحوم "أفصح" وكان حياً إلى فترة قريبة؛ كما كانوا قلة في طهران أيضاً، بالطبع أكثر من أمثالهم في "مشهد"، ولكنهم على أي حال كانوا قليلين جداً مقارنة بعددهم الآن في طهران وسائر المدن الأخرى، وبأكثر من زيٍّ ومن فئات مختلفة، وهم قراء وفق أنماط متعددة، وهذا الحال لم يكن في السابق؛ لذا يجب استثمار هذه الفرصة بأقصى ما يمكن من أجل تقوية الإسلام والثورة وإيمان الشعب، وأعتقد أن هذا الأمر ممكن وعملي(2).

 

__________________________

  (1) من حديث القائد خلال استقباله جمعاً من قراء مدائح أهل بيت العصمة النبوية من طهران وقم (14/3/1985م). 
  (2) من حديث القائد خلال استقباله جمعاً من قراء مدائح أهل بيت العصمة النبوية (9/2/1988م).

المصدر : موقع السيد الامام الخامنئي (دام ظله)